الكاتبة الصحفية وعضو مجلس الشورى ..كوثر الأربش لـ “سواح “: في السفر.. احترم البساطة وأبحث عن الإنسان.

الرابط المختصر: http://sawah.sa/?p=6277


  حوار/ أمل محمد:


لحملة الأقلام رؤيتهم المختلفة للأشياء وينعكس رصيد خبراتهم من الاطلاع على ثقافات الغير وعاداتهم على ما تخطه أقلامهم وكذلك علاقاتهم..

الكاتبة الصحفية السعودية المعروفة وعضو مجلس الشورى الأستاذة / كوثر بنت موسى الأربش عاشقة الأدب والسفر والترحال.. حاولنا أن نغوص في أغوار ذاكرتها ورحلاتها السياحية الشخصية والرسمية للتعرف على بعض المحطات التي توقفت فيها خلال جولاتها في أصقاع الدنيا.

ورغم ارتباطاتها العملية المتعددة بين ثلاث رحلات سفر متتالية، إلا أن التواضع الجم، ودماثة الخلق، جعلتها كعادتها ” تفاعل واستجابة ” ترد على اسئلة “سواح” قبل اقلاع رحلتها المتجه إلى دبي، فكان هذا الحوار السريع:

العرب مازالوا يعتقدون بأن الضيافة (تمر وقهوة ومائدة عامرة).. ما لدى الغير؟

لديهم كل ما تشاء لكنها لا تقدم كضيافة ولكن بفلوسك!

وللسياحة، أنا لا أسافر إليها كثيرًا، رغم شغفي المتوقد للاستكشاف، بل أسافر على الأغلب للعمل أو للأنشطة الثقافية والفكرية، المدن الغربية التي زرتها قليلة للغاية، في واشنطن مثلاً، جذبني بشدة بساطة التقديمات، عدم اثقال الميزانيات بالضيافة. غالبًا تكتفي الجمعيات الأهلية والمؤسسات الرسمية بالشاي والقهوة، وربما قطع من البسكويت. وكان هذا مدهشًا بالنسبة لي. لا أحب البهرجة، وأحترم البساطة والبعد عن الإسراف؛ إنه لمن الذكاء أن تهتم بالمحتوى، أكثر من اهتمامك بأصناف الطعام. إنها طريقة لتخبر الآخرين أنك جاد وعملي.

 

يرى الكثيرون أن السائح العربي يفتقد الوعي السياحي الذي يمكنه من تحقيق الاستفادة القصوى من رحلاته بتكلفة مناسبة.. ما تعليقكم؟

يصعب إطلاق الحكم هكذا، اختلفت مبررات السفر للعربي منذ عصر الانفتاح في منتصف الخمسينيات لليوم. تباينَ فيها العقل العربي من حقبة لأخرى، حتى نهاية السبعينات والطفرة الاقتصادية. نعم، في فترة ما، كانت هناك فئة أهدرت فرصة استكشاف العالم. اليوم لدى العربي وعي كافٍ لأن يضع خطة متكاملة للسفر توائم مع ميزانيته، تضمن له زيارة أهم الآثار السياحية، كأي سائح عالمي. في الموقع الشهير المسافرون العرب سابقًا، وفي شبكات التواصل الاجتماعي اليوم. ستجد أن هذه الملاحظة واقعية.

 

 رغم أننا نعيش عصر الإعلام والانفتاح الفضائي والالكتروني إلا أن السياحة العربية مازالت تفتقد الإعلام سياحي متخصص ومتطور يواكب التنمية التي تعيشها صناعة السياحة العربية وحجم الاستثمارات بها.. ما تعليقكم على ذلك؟

اليوم صباحًا، وجدتُ خبرًا في موقع العربية نت، للرئيس المصري السيسي وهو يركب الحنطور مع زوجته. كتبوا أنه يريد القول: أن السياحة في مصر آمنة بما يكفي. وكان ذلك لطيفًا. وعلى كلٍ تختلف الدول العربية في مستوى نجاحها في جذب السائح، بالإضافة إلى أن الأوضاع السياسية القلقة مؤخرًا، قلصت من الفرص السياحية في كثير منها. عن المملكة ووفق رؤية 2020 أرى أن هناك التفاتًا مفرحًا للسياحة في البلاد. قبل يومين، وبعد غياب طويل، كنتُ في الأحساء مثلاً، مسقط رأسي، وكنت مبهورة بالتغييرات الضخمة التي طرأت على جبل القارة الذي أعرفه منذ أن كنت طفلة. أمر مذهل حقيقة. يستحق الزيارة وبحاجة لإعلام مواز لكل للجمال الذي عانقته هناك.

 

هل ترون أن السياحة البينية العربية تعكس حجم ما يحظى به الوطن العربي من ثروات سياحية وتجسد طبيعة العلاقات بين الأشقاء؟ وما هي في رأيكم وسائل تفعيلها؟.

 بالطبع هناك ما يؤكد قدرة الدول العربية أن تحتل مكانتها السياحية وتحقق معدلات مرتفعة في اقتصاديات السياحة. فالمناخ المعتدل، السواحل الممتدة على الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي والأطلنطي والبحر المتوسط، أضف إلى ذلك الآثار التاريخية العريقة كالأهرامات وحدائق بابل وتدمر والبتراء وغيرها، بما يشكل ثلثي الآثار التاريخية في العالم. إلا أن الأرقام تؤكد هبوط عدد السائحين القادمين للشرق الأوسط بنسبة 5% . ورغم تباين النسب بين دولة وأخرى إلا أن المعدل العام ينبئ بوجود مشكلة في التخطيط السياحي. هناك وسائل كثيرة تضاعف من تفعيل السياحة البينية العربية، من أهمها الاستثمارات المشتركة، وتشجيع القطاعات الخاصة على الاستثمار السياحي، أيضًا تفعيل التجارة البينية وتسهيل العمليات التجارية بين البلدان العربية، التجارة رافد رئيسي للسياحة. تحسين البُنى التحتية من مطارات وطرق وموانئ، والخدمات الصحية والتعليمية وغيرها. ولا ننسى بالتأكيد المورد البشري، فموظف الاستقبال وسائق التكسي وعامل الفندق، من المهم أن يحوز هؤلاء على التدريب والتأهيل، فهم الأقرب للسائح. وسائل كثيرة لا يسعني اختصارها.

 

رغم إننا كعرب نوصف بأننا شعب مضياف إلا إننا مازلنا في حاجة إلى التعريف بنهج السلوك السياحي القويم الذي يجعلنا نسهم في دعم صناعة السياحة في بلادنا.. فما هم دور مؤسسات الدولة والأجهزة المعنية والكتاب والإعلاميين في ذلك؟.

فعلاً، إعلامنا العربي لم يفعل دوره التام في رفد السياحة، رغم ما حققته بعض الدول من تصاعد في معدل جذب السياح، فالسعودية والأردن وقطر والإمارات والبحرين، يحققون تصاعدا فارقًا. إلا أن الإعلام لا يظهر ذلك بشكل جيد، نحن بحاجة لبرامج مساندة بلغات مختلفة، مطبوعات تصل لسياح العالم. على المنظمة العربية للسياحة، تفعيل دورها في جذب السياح وتعظيم العوائد الاقتصادية، ورفع كفاءة الإدارة الوطنية للسياحة. الكتاب والإعلاميين، القنوات الرسمية، يقع على عاتقهم تطوير أساليب استقطاب السائح العالمي. الدعاية يفترض بها كسر التقليدية وتحديث سبل التواصل مع العصر ومتطلباته.

 

 ماذا يعنى لكم السفر؟

 إني في كل مكان، أبحث عن الإنسان، كيف يقضي يومه، ما الذي يشغله، ماضيه، تاريخه، منجزاته، أطعمته، همومه كل ذاك يعنيني حينما أسافر، هناك فرق مثلاً بين يوم الإنسان في برزبن (استراليا) وبينه في اسطنبول. الأستراليون منصرفون تمامًا للأعمال، لا يمكنك أن تحظى برفقة هناك، إلا لبضع دقائق، ربما على الرصيف وأنت تنتظر السيارة. أحب البلدان الضاربة في عمق التاريخ، أذكر أني وقفت أمام سيف عمر وسيف علي رضوان الله عليهما في متحف توبكابي في تركيا وبكيت. رجلان كانا بإزاء بعضهما، كيف جعل منهم المتطرفون خصيمان! إنه لأمر محزن أن يتجاور السيفان في المتحف ويختضم الناس عليهما في الخارج!

 

 في السفر سبع فوائد هل عثرت عليها؟.

ليس تمامًا، ما زلت لا أسافر لأجل السياحة، وغالب وقتي أقضيه في الفندق، لأني كما قلتُ سابقًا، أسافر لأجل غاية محددة. في الفرص القليلة التي تتاح لي التجول في مدينة ما، أخرج باكرًا. يروقني استكشاف المدن التي تستيقظ باكرًا. أحب رؤية الحياة وهي تنبعث في الشوارع بالتدريج. أذكر مثلاً في نيويورك خرجت قبل شروق الشمس، كان الجو ماطرًا وشديد البرودة، خرجت دونما مظلة. شعرت أني أندمج مع الطبيعة في تلك المدينة العمرانية المزدحمة.

في السفر والسياحة ما الظاهرة السلبية التي تتمنى القضاء عليها؟

التسول بالطبع، العيش على جيوب السياح. لكم أتمنى أن تهتم السياسات العربية تحديدًا على القضاء على هذه الظاهرة المحزنة.

ماذا عن أول رحلة سفر لكم؟

إن كنت تقصد خارج الخليج، فقد كانت دمشق أول مدينة أزورها مع عائلتي، كنا نذهب للسياحة الدينية وزيارة مرقد السيدة زينب عليها السلام. كنت صغيرة، ربما في الثانية عشر من عمري. ورغم أن معظم الوقت كان مكرسًا للزيارة، لكن الآثار التاريخية التي زرناها على هامش الوقت هي من أشعلت مشاعري، ما زلت أذكر زيارة القصر الأموي، والأسئلة الكبرى التي وُلدت هناك!

ما هي أغرب وأصعب رحلة سفر لازالت عالقة في ذاكرتكم؟!

في نابل، عندما فاتتنا الطائرة، وكان معي وفد عربي، كنا في دعوة من وزارة الثقافة التونسية لمهرجان قصيدة النثر. مثلت المملكة هناك، اضطررنا أن نبقى يومين في مدينة أخرى، لم تكن الأوضاع السياسية مستقرة، وكنا نتجول في سيارة خاصة، محميين برجال أمن، لأننا ضيوف الوزارة. لا أخفيك الحرص الشديد والحماية جعلاني قلقة، بقدر الطمأنينة التي شعرت بها. كان مزيجا من الخوف والأمان! شعور متضارب وأتذكره أحيانا.. ثم أبتسم!

هل تخططون للسفر مُسبقا أم قراركم يأتي في لحظات متأخرة؟

غالبًا أخطط. رغم أن أجمل الأسفار تلك التي تأتي دونما تخطيط. هكذا.. كما لو كانت نافذة انفتحت في الجدار فجأة.

كيف تقضون وقتكم على الطائرة، وما هي  ردة فعلكم على الفضوليين؟

إن لم تتوفر أفلام جيدة على متن الطائرة، فإني أقرأ، كتب كثيرة تمكنت من انهائها خلال الطيران. أما الفضوليين كما تسميهم، فإني أحب الحديث مع الناس، استمع لقصصهم. الناس يحبون الحديث للغرباء، يصبحون حقيقيين، شفافين. ما أجمل أن تحمل الحكاية معك، تتعلم وتنضج..

من وجهة نظركم الشخصية، لماذا بعض الرجال لا يُفضلون السفر مع زوجاتهم؟

لا أعرف، يفترض أن يطرح هذا السؤال على الرجال. لكن يمكنني أن اتنبأ بأمر ما، ربما تضارب الرغبات، المرأة تميل للتسوق والحركة، الرجال يفضلون الاسترخاء. ربما يصبح الرجل أقل حديثًا وتصبح لدى المرأة حماسة للكلام والمشاركة. الرجل يحب رفقة الأصدقاء من جنسه لتوافق الرغبات غالبًا. هذا إذا أحسنا الظن وأخذنا بأفضل الأسباب.

وهل سفر الأطفال الرُضع مع أسرتهم مُتعة أم مشقة؟

هذا السؤال أتى بوقته، في آخر رحلة لي، كان هناك طفل يبكي طوال الرحلة، وكنت أشعر بحزن بالغ، ليس لأن بكاءه أزعجني، لا. بل لأني لا أعرف لماذا يشقون على الرضع بالسفر؟ الأطفال حساسون للتنقل وتغيير الأماكن. يتعودون على الروائح والأدوات التي ألفوها، لا تعرف كمية الفزع الذي يشعر به الرضع حينما يتغير روتينهم. لا أدري.. لماذا لا يتناوب الآباء والأمهات في السفر حتى يكبر الرضيع؟

خلال سفرياتك العملية العديدة هل نالت عائلتكم حقها؟

قبل أن أسافر أسأل العائلة ماذا يفضلون: هدايا أم سفر؟ وحينما أعود أقوم على تنفيذ اختيارهم. أفضل السفر مع العائلة، وأحب رؤية وجوه الأطفال مبتسمة أو مدهوشة.

في اعتقادكم هل السفر بجمال الأصحاب أم المكان؟

يقول المتنبي: (شرّ البلاد مكانٌ لا صديق به). وأقول: الوجوه الباسمة، الشخصيات حلوة المعشر، تلك التي تجعل الوقت سهلاً. سميّ السفر بهذا الاسم لأنه يسفر عن شخصية الإنسان. هناك من تكتشف أنه مثير للمتاعب، أو نزق، هؤلاء يجعلون سفرك نكدًا. لكن دعني أخبرك أن الوحدة في السفر أيضًا ملهمة، وباعثة للتأمل.. إنها فرصة للبحث عن الذات.

 

إذا كان لديكم حجز مؤكد إلى من تهدونه، ولو كان لكم حجز ملغى إلى من تقدمونه؟

الحجز المؤكد: لكل شاب وفتاة اجتهدا طوال العام الدراسي. ونالا درجات أسعدت قلوب عائلاتهما..

الحجز الملغي: لكل رجل، ترك امرأته تبكي وحيدة، وذهب للبحث عن رفاهيته بكل أنانية وقسوة.

 

ما هي العربية التي تحبون السفر إليها؟! وما المدينة الأجنبية أيضا؟

القاهرة. أحب هذه المدينة، كل الناس يصبحون أصدقائك بسرعة، سائق التاكسي، موظفة الاستقبال، البائع، الطفل الذي يلعب قريبًا، أحب الشاي الثقيل، والشوارع المليئة بالحكايات، البيوت القديمة، المقاهي، البطاطا المشوية على النيل. حقًا. أحب هذه المدينة..

لم أزر الكثير من المدن الأجنبية، ولكني أحببتُ فرانكفورت. مدينة توفر لك الهدوء والخصوصية، إن كنت ذاهبا لأجل الاحتفاء بوحدتك، فإنها مدينة تحترم الخصوصيات. الناس هناك وجوههم خالية من الهموم. ترتسم عليها علامات الراحة. أنا امرأة لا يسعني النوم ليلاً حينما أصادف وجوها مهمومة في النهار.

ما هو أفضل شاطئ عربي وأفضل شاطئ أجنبي؟

شاطئ الغولد كوست في استراليا، المياه لونها تركوزاي رائق، والموج عالٍ، الرمال بيضاء. إنها لوحة ربانية يتجلى فيها إبداع الخالق.

عربيًا، شاطئ نصف القمر في شرق المملكة، لم يُستثمر سياحيًا بعد، لكنه يحتفظ بخطواتي الطفلة، هناك نـَمَت مداركي، جمعت الأصداف، ودفنت أقدامي بالرمل، وبنيت القلاع والبيوت.. ذكرياتي التي أحبها مع والديّ -رحمهما الله-.

ماهي أفضل خطوط طيران عربياً، وما هي الأفضل عالميًا؟

 القطرية بالنسبة لي أفضل طيران للآن. عالميًا.. لم أجد شيئًا مميزًا بكل صدق.

من وجهة نظركم الشخصية ما هو أفضل فندق عربي وأفضل فندق أجنبي؟

هذا السؤال محرج للغاية، أنا ببساطة لا أذكر أسماء الفنادق التي اسكنها، بمجرد مغادرتي أنسى. لأنني ببساطة أحتفظ بذاكرة الإنسان، بالوجوه، بالكلمات، اللغة، الطبيعة وثقافة البلاد. الفنادق لا.. تسقط من ذاكرتي فورًا.

ما أفضل منتجع عربي وما أفضل منتجع عالمياً؟

منتجع باب الشمس الصحراوي في دبي. هناك أنشطة مذهلة، رماية وسباحة وركوب خيل، المكان هناك يجعلك تلتحم بالتاريخ الأصيل، بالصحراء، بأجدادك، تبتعد عن المدنية والصخب.

عالميًا: لم أزر للآن منتجعاً عالميًا. ربما في مستقبل الأيام.

أخيراً: وقبل الاقلاع كلمة أخيرة:

بعد عام من الآن، أريد أن أكون في سوريا، وقد توقف تدمير البلاد، قتل الأطفال، سرقة الآثار هناك. أريد أن أزور اليمن، العراق. أتمشى بين الخضرة والأنهار، بدلا من ركام البيوت والدمار. هل تتحقق هذه الأمنية؟ من يدري!

الشكر للمجلة الرائدة سواح والمساحة الجميلة هنا..

 

مشاركة على: