نحن لسنا نبتةً جافةً في أرض قاحلة

الرابط المختصر: http://sawah.sa/?p=1479


د. زيد بن علي الفضيل

 في مداخلتي الهاتفية عبر برنامج “الثقافة اليوم”، الذي يُعرض يومياً على قناة “الثقافية” بين الحادية عشرة والثانية عشرة مساءً، حول موضوع “تاريخ المكان وثقافة الجيل”، تطرقتُ إلى أهمية الوعي بقيمة وجوهر المكان الذي نعيش بين حناياه ونمشي على ثراه، المكان الذي يكتنز في باطنه الكثير من النفائس الأثرية، التي لم يتم اكتشافها بعد، أو بالأصح، لم يتم الوقوف على أطلالها بشكل دقيق، المكان الذي يُحزنك كثيراً جهل أجيالنا المعاصرة بقيمته وتاريخه، وكأن من سلف وما مضى لا يَمتُّ إلينا وإلى المكان بأي صلة، ليتم دراسة تاريخ المكان في مناهجنا المعاصرة بصورة مجردة، خالية من أي إحساس أو شعور بدفء الانتماء، إلى الدرجة التي بتُّ أظن بأننا ندرس مواقع وأشخاصاً في تراثنا الأدبي والتاريخي لا تمتُّ إلى أرضنا بصلة، وكأنها في كوكب غير الكوكب الذي نسكنه ونتنفس هواءه.

إنه جوهر إشكالنا المعاصر، إذ ـ ومن دون إدراك ـ تم تفريغ وعي أبنائنا بقيمة المكان الذي ينتمون إليه، لينعكس ذلك سلباً على مجمل تفكيرهم، وكثير من سلوكياتهم الاجتماعية والثقافية، إذ كيف نريد من مجتمع لا يستشعر بين جوانبه أي قيمة حضارية، ولا يَشعر بدفء التاريخ وحقيقة الارتباط المادي بتفاصيله، أن ينهض بنفسه، ويعمل على تطوير ثقافته، وتحديث نظامه الاجتماعي بما يتوافق مع قانون العصر، ومن دون أن يهدم أركان ماضيه المرتبط به حقيقةً ووجداناً؟ كيف نطلب من أبنائنا استحضار كثير من قيم النبوغ والتسامح والفضيلة وهم يعيشون واقعاً تاريخياً مُزرياً لا يرتبطون به فعلياً، ولا يشاهدونه حياتياً، لكوننا وبكل بساطة، لم نحافظ عليه حال تطويرنا لحياتنا المعاصرة، بل الأدهى والأمَرّ أننا عملنا على بناء واقعنا الحضاري المعاش على أطلال تلك البيوت والمآثر الرائعة، التي حافظ عليه الأسلاف جيلاً بعد جيل، فهدمنا مُدننا التاريخية، وردمنا معها تاريخنا الأصيل، وقطعنا حبل ذاكرتنا بأيدينا – مع الأسف الشديد – وكأننا نعاني من ضيق في مساحة الأرض؛ والسؤال: لمصلحة مَنْ تم ذلك؟ ولمصلحة مَنْ يتم الاستمرار على ذلك النهج؟ أليست هذه الأرض هي التي شَرُفت بسيرة س

يد البشر سيدنا محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” وسيرة آل بيته الطاهرين وصحابته الراشدين؟ فأين نحن واقعاً من ذلك؟ أجزم أننا لو سألنا أحداً من أبنائنا اليوم، ومن أهل مكة خصوصاً، أين هي “الحُديبية” على سبيل المثال؟ وهي الواقعة حالياً عند نقطة تفتيش “الشميسي” على الطريق القديم بين مكة المكرمة وجدة، لما أجاب عن التساؤل إلى النـَّزر اليسير، أقول ذلك من باب إحسان الظن لا غير، فكيف ببقية المواضع المتعلقة بتاريخ السيرة إجمالاً، وكيف ببقية الأماكن التاريخية التي تعود إلى ما قبل الرسالة وما بعدها، التي يكمن في معرفة مواقعها والاهتمام بها على الصعيد التاريخي السياحي قيمة اقتصادية كبيرة، يعود نفعها على أهلنا وبلدنا بالدرجة الرئيسة، ناهيك عن فائدة تكثيف حالة الارتباط الوجداني بمن سلف، وهو شعور وجداني كان له الدور في بناء ونهضة الكثير من المجتمعات المتقدمة في الوقت الراهن، وكثير منها لا تملك المخزون التراثي الذي نملكه نحن.

تجدر الإشارة إلى أن قيمة تاريخ المكان لدينا لا تتوقف عند تاريخ السيرة وحسب، بل تمتد لتشمل ماضياً عَبقاً يزيدنا فخراً واعتزازاً، يمتد من الحقبة الأولى للتاريخ، أي منذ الألف الثالث قبل الميلاد، إذ حضارة “دلمون” الواضحة أطامها في الكثير من الرقوم الأثرية المكتشفة بـ “تاروت” و”القطيف” وغيرهما من مدن الساحل الشرقي، مروراً بالكثير من الكنوز الأثرية بالشمال من وطننا كـ “مدائن صالح” و”مدينة النبي شعيب”، إلى غير ذلك من المآثر التي تعود إلى عصر الرومان والحضارة اليونانية والفرعونية بمصر، وصولاً إلى الكثير من الشواهد الأثرية القديمة المتناثرة في جنوب المملكة، التي يأتي على رأسها قرية “الفاو” التاريخية، عوضاً عن الكثير من التلال والقلاع الأثرية الممتدة بتاريخها حتى نهاية القرن التاسع عشر، التي لو أحسنـَّا التعامل معها لوضح تأثيرها إيجابياً على كثير من مناحي حياتنا، وقيمنا الوجدانية، لأننا سنستشعر عظم المسؤولية، وسندرك في دواخلنا بأننا أغصان مُعشبة في دوحة غنّاء، ولسنا نبتة جافة في أرض قاحلة، فهل إلى ذلك سبيل؟ وهل حقق تعليمنا العام والجامعي الحد الأدنى من الوعي بأهمية وقيمة تاريخ المكان الذي تتوسده أرواحنا، وتحلق فوق سمائ

ه أنفاسنا؟ استفهامات عدة يمكن بَثها، على أن الإجابة الصادقة في تصوري ستظل مرهونة بزمام حالة الواقع المُعاش على الميدان لا على الورق.

نعم ، نحن لسنا بأقل من تلك الشعوب التي تفتخر بالكثير من معالمها التاريخية والأثرية، وتزدهي بالعناية بأطلالها وشواهدها المشهورة، فكثبان رمالنا زاخرة بالكثير من الشواهد والأطلال العريقة، غير أننا لم نحسن التعامل معها، ولم نهتم بالحفاظ عليها لسبب أو لآخر، وبالتالي فما أحوجنا اليوم إلى إستراتيجية وطنية تعمل على رسم ملامحها ومن ثم العمل على تنفيذها كل من الهيئة العليا للسياحة والآثار، ووزارة التربية والتعليم، وما بقي من أطلال أقسام التاريخ في بعض جامعاتنا، بهدف تعزيز ثقافة الوعي بتاريخ المكان في أذهان أجيالنا المعاصرة، ليتعمق في وجدان تلك الأجيال بأننا امتداد أصيل لثقافة دفينة زاخرة بالمروءة والقيم الرفيعة

 

مشاركة على: