مفهوم سياحتنا الداخلية

الرابط المختصر: http://sawah.sa/?p=1476


جاسر الجاسر

الحمد لله الذي نصر هيئة السياحة نصراً مؤزراً، وأعاد إليها جموع المواطنين يتلمسون خدماتها، ويسترشدون بنصائحها بعد أن غلقت أمامهم الأبواب، وضاعت دروبهم السابقة في السياحة الخارجية يبذرون المال، وينفعون الأغراب، متجاهلين أرضهم، وباخلين على أهلهم.

الحمد لله، أن ما حدث في مصر وتونس وسورية، وما تشهده البلدان الأخرى من توترات، وما تثيره من مخاوف جلب للهيئة فوزاً لم تحققه حملاتها الدعائية، ولم تثمره دعواتها المتكررة، فها هم السعوديون لا ينشدون القاهرة ودمشق وبيروت، بل يتساءلون إن كانت “أبها” أكثر متعة أم الطائف؟ وأيهما أقل رطوبة: جدة أم الخبر؟ ويقلبون الخرائط، ويجوبون مواقع “الانترنت”، يحاولون أن يجدوا حجزاً، ويتعرفوا على الأماكن الجديدة.

الحمد لله، لأن هذه الصحوة تجيء بعد أن أمضت الهيئة سنوات طوال تلاحق الخدمات، وتطور مجالات السياحة، وتعدل أوضاع الفنادق، وتراقب الشقق السكنية، وتتأكد من قدرتها على المنافسة، فكأنما كانت الغيبة فرصة كبرى، وخطة غير ظاهرة إلا أن وقتها حان قطافه.

المؤسف أن الناس متطلبون، وقد يجهلون معاني السياحة الداخلية، فهم متشبعون بما اكتسبوه من خبرات في سفرياتهم إلى الخارج، ومفتونون بمستوى الخدمات التي كانوا يجدونها، ومغررون بمعدلات الأسعار الترويجية التي كانت تجتذبهم، مما يجعلهم يقارنون بين حال الداخل والخارج، ويبحثون عن المطابقة والمشابهة، وهذا تقليد غير مقبول وظن خاطئ، فليست السياحة فنادق ومنتجعات، وليست سيارات وأسواق ومطاعم، وليست حدائق ومتنزهات، فهذه كلها قشور وصناعة باهتة، وجهل بدلالات السياحة المعمقة، وعجز عن تذوق مفاتنها البكر، مما يستدعي حملة تصحيحية تعدل رؤيتهم وتعيد تشكيل تصوراتهم.

السياحة في الأصل ذكريات وحكايات، فهي التي تبقى في الذاكرة، وتجمع رباط العائلة، وتشيع البهجة بين أوساطها. فإذا سافرت براً ولم تجد محطة لائقة، فهذه قصة سياحية ترويها بعد السفر، وتحكي لمعارفك كيف بحثت طويلاً عن استراحة مناسبة فلم تجد غير الصحراء فراشاً، ولو تأملت لوجدت أن هذا المغزى والمقصد من سوء الخدمات كما تتوهم.

إن عدم الحصول على استراحة طريق يحمي أطفالك من الأمراض المتنقلة، وهو يخفف مخاطر التسمم في المطاعم الصغيرة، وهو ينمي فيك ثقافة الاعتماد على النفس، ومهارة التعامل الطارئ مع الظروف، ويشجعك على الاستمتاع بهواء الصحراء النقي وتلمس رمالها، وعد نجوم سمائها، وهو يبعدك عن التلفزيون والكسل، فيجعل الحكايات مجالاً وحيداً تتعرف فيه الأسرة إلى بعضها البعض جيداً بعد أن شتتها مشاغل الحياة.

حين تستأجر بيتاً فيغشك صاحبه، وتدفع فيه أكثر مما يستحق، فهي تجربة تعلمك أصول التعامل، وتزيد مهاراتك في التفاوض.

حين تتأخر رحلتك طويلاً، فهو تدريب على الظروف الصعبة، وامتحان لصبرك وقدرتك على السيطرة على الغضب مجاناً، ولو أنك أخذت دورة في ذلك لدفعت آلافاً من دون فائدة فعلية.

حين تستاء من خدمات الفنادق، فاعرف أن القصد من السياحة الداخلية هو التخييم وليس التنقل بين الغرف، واسترجاع ذكريات الكشتات، وليس تكرار تجارب سفرك إلى الخارج.

حين تغضب لعدم وجود نشاطات ترفيهية، فلا بد أن تدرك أن السفر تجمع عائلي، وليس مجرد تبذير وتنقل من مطعم إلى حديقة أو سينما أو مسرح.

حين تذهب إلى الشاطئ فلا تجده، فلا شك أنك تجهل أن الهدف هو حمايتك من مخاطر الغرق، أو تعرضك للسعات حيواناته.

لكي تنجح السياحة الداخلية يتوجب تصحيح مفهوم السعوديين عنها، وتطهيرهم من الفهم الخاطئ، فمن يرد الفنادق والخدمات والمتعة فليسافر خارجاً، أو يجلس في بيته إن أعجزته القدرة، أما الانتقاد والتذمر فهو لغة الجاهلين.

 

مشاركة على: