التحول للنظام الصحي الأمريكي: دعوة للرعاية الصحية المرشدة الوطنية

الرابط المختصر: http://sawah.sa/?p=13499


عبد الرحمن سليمان السويد

باحث في السياسة وإدارة المنظمات

أثبت التاريخ صحة توقعات بول إلوود  مؤسس الرعاية المرشدة الحديثة Managed Health Care  – Paul M. Ellwood 1926، و د. بيتر كونغستفدت  Peter Kongstvedt مُنظر الرعاية الصحية المرشدة وكلاهما من رواد القرن العشرين في الحركة الصحية عام 1970م التي دعمت مفهوم الرعاية الصحية المرشدة، خاصة مُنظمات المحافظة على الصحة خلال المرحلة الرابعة للنهضة الصحية الامريكية التي تميزت بمحدودية الموارد وقيود على النمو الامر الذي تطلب الحاجة للتحول Transformational من النظام التقليدي إلى نظام السوق، والعمل على اعادة هيكلة الجهاز الصحي كاملاً، وبالذات في مجال التمويل والوسائل واسلوب تقديم الخدمة، إذ كان التأمين قبل عملية التحول في القرن التاسع عشر يغطي حوادث العمل والاعاقات. عندما قفز الوعي العقلاني الى المشهد الصحي بعد التحول حدث ارتفاع ملحوظ في مجالي التشريع والمنافسة في سوق الخدمات الصحية مما جعل المؤسسات على اختلاف مجالاتها أدى الى تطوير آليات القدرات التنافسية بينها، التي فرضتها كذلك العولمة، فمن الشفافية والحوكمة والمسؤولية الاجتماعية وريادة الاعمال إلى نقل التكنولوجيا لكن هناك عوامل أدت جميعها بالمؤسسة الصحية المعاصرة على اختلاف تخصصاتها إلى البحث عن المداخل الاستراتيجية التي تمكنها من مواجهة كل هذه التحديات، ولعل المدخل الاستراتيجي الأكثر أمناً  يمكن من مواجهة التحديات من بين هذه المداخل هو: (التحول أو الانتقال من الاهتمام بالموارد والنتائج إلى الاهتمام في جانب العمليات وابتكار النماذج التشغيلية التطبيقية والبعد الأخلاقي) حيث أنه من أهم التغيرات الجذرية التي أحدثتها التوجهات الفكرية المعاصرة على مفهوم الاقتصاد والإدارة الحديثة. في المقابل ولعل أوضح مثال و هو السبب الرئيسي لنشأة مفهوم الرعاية المرشدة، ملاحظة المراقبون والمنشغلون بالقضايا الصحية بالولايات المتحدة ارتفاع فاتورة الخدمات الصحية في الستينات الميلادية الى ارقام فلكية على الرغم من معدلات ومخرجات ومؤشرات الحالة الصحية الامريكية لم يطرأ عليها تحسن بصورة تتناسب مع الانفاق المتزايد مقارنة بالدول المتقدمة في حين أن هناك زيادة اشكاليات في التغطية هذا ما يؤكد حقيقة من أنه ليس هناك علاقة مباشرة طردية بين توفير الخدمات الصحية العلاجية والتأهيلية وتحسن مستوى الحالة الصحية Health Status الرسم البياني التالي يوضح انخفاض أكثر من 1622 مستشفى في الفترة (1975-2016م) أي بمعدل اغلاق 40 مستشفى سنوياً بنسبة 23% خلال الأربع عقود الماضية.

إبان تلك الفترة وهو ما ليس منا ببعيد حدثت أهم التحولات الجذرية التي أحدثتها التوجهات الفكرية المعاصرة على مفهوم الاقتصاد والإدارة الحديثة, لذلك تسعى النظم الصحية بالعالم جاهدةً من أجل تحقيق الرفاهية الصحية لشعوبها، وهذا لا يتحقق إلا من خلال الحفاظ أو تعزيز Health Promotion صحة الانسان (الجسدية والنفسية والاجتماعية والوجدانية والعاطفية) كما خلقه الله حيث قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[1] سورة التين: 4، لأن الأصل أن الانسان يولد صحيحاً وليس مريضاً أو ناقصاً عدا الحالات ذات الاعاقات الخلقية وتسعى الدول المتقدمة إلى الأخذ بمفهوم وتطبيقات تعزيز الصحة Health Promotion  وتفعيل توصيات مؤتمر اوتاوا 1986م المعتمد على غرس القيم الايجابية لصحة الفرد والمجتمع والبيئة لخلق شراكات تتفق واستراتيجية ممنهجة وموجهة حتى تتواصل وتتكامل مع الكيانات ذات التأثير المجتمعي، حيث تم سن الانظمة الهادفة لتحسين الصحة بالتزامن مع الخدمات التعزيزية والوقائية والعلاجية والتأهيلية ليصبح الانسان قادراً على العطاء والإنتاج بكفاءة وفاعلية. وقد اتضح من خلال الدراسات والبحوث إن (تعزيز الصحة خيراً من الوقاية والعلاج التأهيل  Health Promotion is better than Disease Prevention ) فمع غياب تعزيز أنماط الحياة الصحية, ما يراه كاتب المقالة ومن واقع الدراسات أن التقنيات العلاجية مهما تقدمت تبقى محدودة النفع وتقل جودة الحياة الصحية وتحل الامراض الحادة والمزمنة ، وتزداد معدلات حدوث الاضطرابات النفسية والعقلية, ويعزى ذلك لعدة اسباب، لعل أهمها عدم الأخذ بمفهوم (تعزيز صحة الانسان السليم ورعايته)، وقلة فاعلية الوقاية ، والاعتماد على التدخل العلاجي والجراحي والتأهيلي فحسب على حساب التعزيز والوقاية الذين يحتاجان وقت طويل لظهور النتائج التي ترفع قيمة الصحة وهذا ما اهمله مسئولي السلطات الصحية لعقود طويلة.

 

 

 

 

مشاركة على: